نورالدين علي بن أحمد السمهودي
100
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
العصر الأول ، وإنه من المعجزات ، فقد تركت المدينة على أحسن ما كانت حين انتقلت الخلافة إلى الشام والعراق ، وذلك أحسن ما كانت من حيث الدين والدنيا : أما الدين فلكثرة العلماء بها ، وأما الدنيا فلعمارتها واتساع حال أهلها ، قال : وذكر الأخباريون في بعض الفتن التي جرت بالمدينة وخاف أهلها أنه رحل عنها أكثر الناس ، وبقيت ثمارها للعوافي « 1 » ، وخلت مدة ، ثم تراجع الناس إليها . وحكى البدر ابن فرحون في شرح الموطأ ، ومن خطه نقلت ، عن القاضي أيضا أنه قال : وقد حكى قوم كثيرون أنهم رأوا ما أنذر به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من تغذية الكلاب على سواري مسجدها ، انتهى . وقال النووي : الظاهر المختار أن الترك للمدينة يكون آخر الزمان عند قيام الساعة ، ويوضحه قصة الراعيين من مزينة ، فإنهما يخران على وجوههما حين تدركهما الساعة ، ولفظ مسلم واضح في ذلك ؛ فإنه قال « ثم يحشر راعيان » ويؤيده كونها آخر قرى الإسلام خرابا . قلت : ويؤيده رواية ابن شبة المتقدمة « ليدعنها مذللة أربعين عاما للعوافي » وهذا لم يقع اتفاقا ، على أنه ورد ما يقتضي أن الترك للمدينة يكون متعددا ، فلعل ما ذكره القاضي هو المرة الأولى ، وبقي الترك الذي يكون آخر الزمان ؛ لأن ابن شبة روى حديث « ليخرجن أهل المدينة من المدينة ، ثم ليعودن إليها ، ثم ليخرجن منها ، ثم لا يعودون إليهما ، وليدعنها وهي خير ما يكون مونعة « 2 » » . وروي أيضا عن عمر مرفوعا « يخرج أهل المدينة منها ثم يعودون إلها فيعمرونها حتى تمتلئ وتبني ، ثم يخرجون منها فلا يعودون إليها أبدا » . وروى ابن شبة عن أبي هريرة قال : « آخر من يحشر رجلان رجل من جهينة وآخر من مزينة فيقولان : أين الناس ؟ فيأتيان المدينة فلا يريان إلا الثعلب ، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس » . وروي أيضا عن حذيفة بن أسيد قال : « آخر الناس محضرا رجلان من مزينة يفقدان الناس ، فيقول أحدهما لصاحبه : قد فقدنا الناس منذ حين ، انطلق بنا إلى شخص من بني فلان ، فينطلقان فلا يجدان بها أحدا ، ثم يقول : انطلق بنا إلى المدينة ، فينطلقان فلا يجدان بها أحدا ، ثم يقول : انطلق بنا إلى منزل قريش ببقيع الغرقد ، فينطلقان فلا يريان إلا السباع والثعالب ، فيوجهان نحو البيت الحرام » .
--> ( 1 ) العواف : ما يظفر به الإنسان والحيوان ليلا من صيد ونحوه . ( 2 ) المونعة : الثمرة الناضجة .